محمد طاهر الكردي
568
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
اللّه ، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب على أمر اللّه ، فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم . فمكثوا على ذلك دهرا ، فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر ، أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناما وتماثيل على صورها وأشكالها ، فجعلوا لها أصناما وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة ، وكل صنف منهم يعظم كوكبا منها ويقرب لها نوعا من القربان ، خلاف ما للآخر ، على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنام تحركت لهم الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون ، وبنوا لكل صنم بيتا وهيكلا مفردا وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب . وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام على مرور الدهور معظم في سائر الأعصار لأنه بيت زحل ، وأن زحل تولاه ، ولأن زحل من شأنه البقاء والثبوت ، فما كان له فغير زائل ولا داثر وعن التعظيم غير خامل ، وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها ، ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى اللّه ، وألغوا عبادة الكواكب . فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوداسف بأرض الهند ، وكان هنديا خرج من أرض الهند إلى السند ، ثم سار إلى بلاد ساجستان وبلاد زابلستان ، وهي بلاد فيروز بن كبك ، ثم دخل السند إلى كرمان فتنبأ وزعم أنه رسول اللّه وأنه واسطة بين اللّه وبين خلقه ، وأتى أرض فارس وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس ، وقيل ذلك في جم شيد ، وهو أول من أظهر مذاهب الصائبة على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب . وقد كان يوداسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم ، والاشتغال بما علا من العوالم ، إذ كان من هنالك بدو النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم ، ( وجدد يوداسف ) عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها ، لشبه ذكرها ، وقرب إلى عقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع . وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم ، أنه أول من عظم النار ودعا الناس إلى تعظيمها ، وقال أنها تشبه ضوء الشمس والكواكب ، لأن النور عنده أفضل من الظلمة وجعل للنور مراتب .